وهبة الزحيلي
57
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وروى ابن جريج عن عطاء قال : الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه . ومثله عن ابن عباس . وقال قتادة : ضربا غير شائن « 1 » . وإذا تجاوز الرجل المشروع فأدى الضرب إلى الهلاك وجب الضمان ، كما يجب على المعلم الضمان في ضربه غلامه لتعلم القرآن والأدب . وينبغي ألا يوالي الرّجل الضرب في محل واحد ، وأن يتّقي الوجه ، فإنه مجمع المحاسن ، ولا يضربها بسوط ولا بعصا ، وأن يراعي التخفيف ؛ لأن المقصود هو الزّجر والتأديب لا الإيلام والإيذاء ، كما يفعل بعض الجهلة . ومع أن الضرب مباح فإن العلماء اتّفقوا على أن تركه أفضل . أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصّدّيق رضي اللّه عنه قالت : كان الرّجال نهوا عن ضرب النساء ، ثم شكونهنّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخلى بينهم وبين ضربهنّ ، ثم قال : ولن يضرب خياركم . وقال عمر رضي اللّه عنه : ولا تجدون أولئكم خياركم . فدلّ الحديث والأثر على أن الأولى ترك الضرب ، بدليل الأمر القرآني بالإحسان في المعاملة : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة 2 / 229 ] ، ويؤيده حديث آخر : « أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ، ثم يضاجعها في آخر اليوم ؟ ! » . فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا ، أي إذا تحققت طاعتهنّ حينئذ فلا تطلبوا سبيلا آخر إلى التعدي عليهنّ ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيره ، أو فلا تظلموهنّ بطريق آخر فيه تعذيب وإيذاء . إن اللّه كان وما يزال عليّا كبيرا ، أي أنه تعالى قاهر كبير قدير ينتصف لهنّ ويستوفي حقهنّ ، فلا تغترّوا بقوّتكم أو علوّكم أو درجتكم . وهذا تهديد للأزواج على
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 189